🕌

خطبة رقم 4 ( أسباب السقوط )يهوذا الإسخريوطي

( أسباب السقوط )يهوذا الإسخريوطي
قال ابن جرير : إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا ، دعا الحواريين فصنع لهم طعاما ، فقال : احضروني الليلة ، فإن لي إليكم حاجة . فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم . فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ، ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال : ألا من ردّ علي شيئا الليلة مما أصنع ، فليس مني ولا أنا منه . فأقروه ، حتى إذا فرغ من ذلك. قال : أما ما صنعت بكم الليلة ، مما خدمتكم على الطعام ، وغسلت أيديكم بيدي ، فليكن لكم بي أسوة ، فإنكم ترون أني خيركم ، فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض ، كما بذلت نفسي لكم . وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها فتدعون لي الله ، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي . فلما نصبوا أنفسهم للدعاء ، وأرادوا أن يجتهدوا ، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله ! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها ؟ قالوا : والله ما ندري ما لنا . لقد كنا نسمر فنكثر السمر ، وما نطيق الليلة سمرا ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه . فقال : يذهب بالراعي وتفرق الغنم . وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه . ثم قال : الحق ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني ، فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، وأخذوا شمعون أحد الحواريين ، وقالوا : هذا من أصحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه فتركوه ، ثم أخذه آخرون ، فجحد كذلك . ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه ، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما ، فأخذها ودلهم عليه ، وكان شبه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه استوثقوا منه ، وربطوه بالحبل ، وجعلوا يقودونه ويقولون ، له : أنت كنت تحيي الموتى ، وتنهر الشيطان ، وتبرئ المجنون ، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه ، وصلبوا ما شبه لهم .
هو يهوذا الإسخريوطي، التلميذ الذي خان السيد المسيح !
كان الحكام اليهود يخشون القبض على السيد المسيح في النهار ، لئلا تثور الجماهير ، المحبة له.
اتفق يهوذا مع اليهود على إخطارهم بالمكان الذي يتناول فيه العشاء ، ليلا مع تلاميذه، وأن الشخص الذي سوف يقبله هو السيد المسيح ، لأن عساكر اليهود لا يعرفون ، ولن يستطيعون تمييزه، من بين تلاميذه !
قبض اليهود على السيد المسيح ، وهو بين تلاميذه ، يتناولون العشاء ، قال السيد المسيح مخاطبا يهوذا : يا يهوذا ، أَبِقبلةٍ تُسَلِّمُ ابن الإنسانِ.
وصارت هذه الجملة مرجعية أساسية في الأدبيات الغربية ؟
كان ذلك العشاء الأخير للسيد المسيح الذي جعله سبحانه وتعالي آية للناس ، ورحمة منه ، وكان أمرا مقضيا
(وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَ‌حْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرً‌ا َّقْضِيًّا)﴿ ٢١ – مريم ﴾
قاد اليهود السيد المسيح إلى المشنقة، ولكن الله سبحانه وتعالى رفعه اليه، وبقي في أيادي اليهود شبيهه
(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ )
قبض يهوذا من اليهود ثلاثين قطعة فضة ، مقابل خيانته.
وصارت قصة يهوذا الإسخريوطي مضرب المثل في قمة الخيانة الإنسانية،وصارت هذه الثلاثين ترمز لثمن الخيانة.
كان نابليون يرمي على الأرض بصرة تحوي ثلاثين قطعة فضة ، وربما مثلها معها ، للجواسيس من العدو ، الذين يمدونه بمعلومات عن العدو، وكان يحتقرهم، ويزدريهم ، رغم أنهم يمدونه بمعلومات قيمة عن عدوه.