🕌

خطبة رقم 8 ( أسباب السقوط ) قارون

( أسباب السقوط ) قارون
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى، فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ .وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ .قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ .فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ .فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ .وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ، وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون .﴾القصص 76-82.
قارون أحد أغنياء بنو إسرائيل،,ابن عم موسى عليه السلام. وكان وزيراً لشؤون العبرانيين لدي فرعون. كان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة. يحدثنا الله عن كنوزه فيخبر سبحانه أن مفاتيح الحجرات التي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء. فكيف كانت الكنوز ذاتها، لكنه بغى على قومه.
ويبدو أن العقلاء من قومه نصحوه بالقصد والاعتدال، وهو المنهج السليم. فحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلي نسيان من هو المنعم بهذا المال، ونصحوه بأن يعمل لآخرته بهذا المال ولا يقتصر على نيل الشهوات في الدنيا بل ينفق لآخرته ولا ينسى التمتع في الدنيا بغير إضرار للدين والآخرة. ويذكرونه بأن هذا المال هبة من الله وإحسان، فعليه أن يحسن ويتصدق من هذا المال، وحذروه من الفساد في الأرض، بالبغي، والظلم، والحسد، والبغضاء، وإنفاق المال في غير وجهه، أو إمساكه عما يجب أن يكون فيه. فالله لا يحب المفسدين .فكان رد قارون جملة واحدة تحمل شتى معاني الفساد) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي.(لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء. فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه.
وخرج ذات يوم على قومه، بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم، وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون، وأحسوا أنه في نعمة كبيرة. فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان: ويلكم أيها المخدوعون، احذروا الفتنة، واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون.
وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغراءها، وتحطم الغرور والكبرياء فيجيء العقاب حاسما) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (هكذا في لمحة خاطفة ابتلعته الأرض وابتلعت داره.وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال. فقال الذين كانوا يتمنون أن عندهم مال قارون وسلطانه وزينته وحظه في الدنيا: حقا إن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويوسع عليهم، أو يقبض ذلك.
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ.فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ.فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ التوبة: ٧٥ – ٧٨
من المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه : لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله ، وليكونن من الصالحين . فما وفى بما قال ، ولا صدق فيما ادعى ، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقا سكن قلوبهم إلى يوم يلقون الله عز وجل .
ذكر كثير من المفسرين: أن هذه الآية الكريمة نزلت في ” ثعلبة ” الذي قال لرسول الله : ادع الله أن يرزقني مالا.قال رسول الله : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. قال : ثم قال مرة أخرى، فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت. قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله : اللهم ارزق ثعلبة مالا. قال : فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة . فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله : ما فعل ثعلبة ؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة . فأخبروه بأمره فقال: يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة . و ونزلت فريضة الصدقة وأنزل الله جل ثناؤه: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها،فبعث رسول الله رجلين على الصدقة: وكتب لهما كيف يأخذانها من المسلمين، وقال لهما: مرا بثعلبة، وبفلان – رجل من بني سليم – فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله فقال: ما هذه إلا جزية. ما هذه إلا أخت الجزية . ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي.
.. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن …. وكان عند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو على رأسه التراب ، فقال له رسول الله [ هذا ] عملك، قد أمرتك فلم تطعني. فلما أبى أن يقبض رسول الله – رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئا. ثم أتى أبا بكر – رضي الله عنه – حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله، وموضعي من الأنصار ، فاقبل صدقتي . فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر – رضي الله عنه- أتاه فقال : يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك ! فقبض ولم يقبلها؛ ثم ولي عثمان – رضي الله عنه فسأله أن يقبل صدقته، فقال : لم يقبلها : رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ! فلم يقبلها منه ، وهلك في خلافة عثمان .