سنة التدافع
قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ، وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثيراً، وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ). الحج: 40(
-من مُبَرِّراتِ الهَجْمَةِ على المُسلمينِ في جميعِ أنحاءِ العالَمِ هو التَّدافُع، هذا الدَّفْعُ ليسَ للنّاسِ العادِيّينَ فقط، ولكنْ للأنبياءِ عليهِمُ السَّلامُ أيضاً، قالَ اللهُ سبحانَهُ: حَتّى إِذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ، وَظَنّوا، أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبوا، جاءَهُمْ نَصْرُنا، فَنُجِّيَ مَن نَّشاءُ، وَلاَ نَيُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين….وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .
هذا بعض مما حصل للنبي وصحبه.
– في “مَكَّة” قَبْلَ الأَمْرِ بالدِّفاعِ عَنِ النَّفْسِ والجِهاد، ذَكَرَ خَبّابُ بْنُ الأَرَتِّ رضيَ اللهُ عنهُ قال: شَكَوْنا إِلى رَسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم، وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنا لَه: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنا؟ أَلاَ تَدْعو اللهَ لَنا؟ قَال: (كانَ الرَّجُلُ فيمَنْ قَبْلَكُم، يُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فيهِ، فَيُجاءُ بِالْمِنْشار، فَيوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دينِهِ، وَيُمْشَّطُ بِأَمْشاطِ الْحَديدِ، ما دونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دينِهِ. وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذا الأَمْرَ حَتّى يَسيرَ الرّاكِبُ مِنْ صَنْعاءَ إِلى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخافُ إِلاَّ اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلونَ).
– وفي بَدْر، دَعا رَسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (اللَّهُمَّ هَذِهِ قريش جاءت بفَخْرِها وخُيَلائِها وخَيْلِها، تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسولَك، اللَّهُمَّ نَصْرَكَ الذي وَعَدْتَني، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ اليَوْم، لا تُعْبَدُ في الأَرْض).
-في الخَنْدَق: إذْ جاءوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنّونَ بِاللَّهِ الظّنُونا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنونَ، وَزُلْزِلوا زِلْزالاً شَديدا.
عظم البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المسلمون كل ظن، والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين. وظهر النفاق حتى قال أحدهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وقال آخر: يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة.
ويصور النبي عليه السلام، المُتَساقِطينَ والمُنافِقينَ والمُخَذِّلين، الذينَ يُزَيِّنونَ الباطِل، قالَ (تَأْتي بَعْدي سَنَواتٌ خَدّاعات، يُصَدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ الصّادِق، ويُخَوَّنُ فيها الأُمينُ ويُؤَمَّنُ الخائِن، ويَنْطِقُ في الأُمورِ الرُّوَيْبِضَة. قيل وما الرُّوَيْبِضَة يا رسول الله؟ قال:الرُّوَيْبِضَةُ السَّفيه، أَوِ التّافِه، يَتَكَلَّمُ في أَمْرِ العامَّة).
وبالمقابل “إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَان أَثْبَت فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْجِبَال الرَّوَاسِي “.
ما نراه اليوم من مَجازِر وقتل وأسر ودماءوجراح وأشْلاء وجُثَث ودَمار، قْلعُ أشْجار، تدمير مُدُنٌ وقُرى، ومخيمات أُبيدَت لا حُرْمَةَ لِشَيْء، مُؤَسَّسات، مَساجِد، أَسْلِحَةٌ مُحَرَّمَةٌ دَوْلِيّاً. كلها مقدمات بين يَدَيِ النصر.
هذا ليس بجديد، نظرة للماضي القريب والبعيد… سحق مخيمات: النبطية، وتل الزعتر، وجسر الباشا، تُردم صبرا وشاتيلا فتُصبح قصيدة وأيقونة، نهر البارد واليرموك…
وبعد كل مرة يعود الناس إلى الحياة من جديد، يحولون الأنقاض إلى أمل وحلم، يعيشون، ويتحدون ويجعلون من المخيمات أماكن للثبات والعزّة والكرامة والدعوة إلى الله عز وجل.
وجنين نموذج لمخيمات فلسطين، تُقصف بالطائرات ليلا ونهاراً، تُحاصر بالدبابات والآليات من كل مكان، تُصبُّ عليها الصواريخ والقذائف صبّاً، تُطوق من كل المنافذ…. تَنهض، تُواجه تُقاتل، تَستشهد، تُستباح، وخلّدتها الأنشودة:
هذي جنين مطوقة ومحاصرة حلفت تقاتل يا عرب مهما جرى
نادت حرسها وكبرت توزعوا صيحوا بإسم الله خليكو معو
هذي جنين تزلزلت لو تسمعوا فيها انتفض دم االغضب فوق الثرى
لما إجاها الموت فتحتلوا الصدر وتحصنت برجال أقوى من الصخر
لما الدهر نزفت ألم صارت صبر صارت أيام فيها العز مسطرة
وغزة وما أدراك ما غزة: حصار، تجويع، دمار، قتل، ذبح، لم تُترك جريمةٌ لم تُرتكب فيها، ارتجّت لها عقول البشرية، اهتزت لهولها الشعوب، رغم كل ذلك، وبعد طول حصار تنتصر، في حرب ليس لها نظير، معركة الطوفان التي زرعت الرعب في قلوب العدو وصنعت للأمة مجداً،ولسان حالها يقول:
هذا مهر الحور العين هذا مهر الجنة هذا ثمن النصر
امام الإبادة الفظيعة التي تعرضت لها غزة، وشاهدها العالم كله.. امام هذا المشهد المهيب، نقف خاشعين صامتين مواسين غزة المكلومة، لنتأمل وجهها الحزين، قصص أبنائها وبناتها أطفالها وشبابها شيوخها نسائها الذين فتكت بهم آلة الإجرام الصهيونية، بيوتها المهدمة، ساحاتها المدمرة مستشفياتها جامعاتها مساجدها وكنائسها..ونقول أمام هذا المشهد: الحمد لله، لا خسائر في غزة، لأنها تاجرت مع الله، نعم، ومع الله لا خسائر البتة.
كسرت غزة اسطورة الجيش الذي لا يقهر، افشلت الدعاية الاعلامية الصهيونية والامريكية والغربية، هزمت السردية الاسرائيلية حول مظلومية اليهود، اتسعت دائرة المقاطعة للكيان، تعمق الخلاف الداخلي الاسرائيلي وعلى الارجح انفجاره، أثبتت للعالم: أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يعرفها الكيان الصهيوني والعالم الغربي كله الذي لا يحترم الا الاقوياء.
-نتنياهو يشكر السعودية ومصر والامارات والاردن على تعاونهم مع إسرائيل في حرب غزة.
الكاتب الإسرائيلي ألون مزراحي: حماس أسطورة لأجيال قادمة، ولقد انتصرت علينا، بل على كل الغرب، وصمدت في المواجهة.
ونقسم بالله الذي لا اله غيره أنه سيخذل من خذلهم سيخذل الله من خانهم، وان غدا لناظره لقريب.